القرطبي
287
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عليه وسلم حيث قال : ( وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله ) كما قال : ( ألا إنما طائرهم عند الله ) وكما قال تعالى : ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ) أي بقضاء الله وقدره وعلمه ، وآيات الكتاب يشهد بعضها لبعض . قال علماؤنا : ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شئ بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته ، كما قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( 1 ) ) وقال تعالى : ( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ( 2 ) ) . مسألة - وقد تجاذب بعض جهال أهل السنة هذه الآية واحتج بها ، كما تجاذبها القدرية واحتجوا بها ، ووجه احتجاجهم بها أن القدرية يقولون : إن الحسنة ها هنا الطاعة ، والسيئة المعصية ، قالوا : وقد نسب المعصية في قوله تعالى : ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) إلى الانسان دون الله تعالى ، فهذا وجه تعلقهم بها . ووجه تعلق الآخرين منها قوله تعالى : ( قل كل من عند الله ) قالوا : فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه . وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعا ، لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية ، وليست كذلك لما بيناه . والله أعلم . والقدرية إن قالوا ( ما أصابك من حسنة ) أي من طاعة ( فمن الله ) فليس هذا اعتقادهم ، لان اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسئ . وأيضا فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول : ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ، لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا ، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره . نص على هذه المقالة الإمام أبو الحسن ( 3 ) شبيب بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغلاصم في إفحام المخاصم . قوله تعالى : ( وأرسلناك للناس رسولا ) مصدر مؤكد ، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة ( وكفى بالله شهيدا ) نصب على البيان والباء زائدة ، أي كفى الله شهيدا على صدق رسالة نبيه وأنه صادق .
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 287 ( 2 ) راجع ج 9 ص 294 ( 3 ) في ا ، ح : أبو الحسين ، وفى ج ، ط ، ز : أبو الحسن شبيب . والذي في البحر : ( أبو الحسن شيب ) .